ابن أبي مخرمة
353
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
السنة الخامسة والتسعون فيها : أسقط الأمين اسم المأمون وأخيه المؤتمن من الدينار والدرهم ، ومن المنابر ، فلما تيقن المأمون أن الأمين خلعه . . تسمى بإمام المؤمنين ، وكوتب بذلك « 1 » . وفيها : جهز الأمين علي بن عيسى بن ماهان إلى خراسان في جيش عظيم ، وأنفق عليهم أموالا لا تحصى ، وأرسل معه بقيد فضة ؛ ليقيد به المأمون في زعمه ، فلما علم المأمون بذلك . . ندب طاهر بن الحسين بن مصعب الخزاعي وهرثمة بن أعين لحربه في نحو أربعة آلاف فارس ، فالتقى الجمعان بالري ، فأشرف طاهر بن الحسين على جيش ابن ماهان وهم يلبسون السلاح وقد امتلأت بهم الصحراء بياضا وصفرة في العدد المذهبة فقال طاهر : هذا ما لا قبل لنا به ، ولكن اجعلوها خارجية ، واقصدوا القلب ، ثم أقبل وذكر ابن ماهان البيعة التي للمأمون في عنقه فلم يلتفت ، وكان مستهينا بطاهر بن الحسين وقلة جمعه ، فالتحم الحرب ، فكان علي بن عيسى أول قتيل ، وانهزم جيشه ، وحمل رأسه على رمح ، واستولى طاهر بن الحسين على ما معه من العدد والسلاح ، وأرسلوا برأسه إلى المأمون بخراسان ، فمن حينه خوطب المأمون بأمير المؤمنين ، ولما جاء البريد إلى الأمين بقتل علي بن عيسى ، وانهزام جيشه - يقال : إنه كان يتصيد سمكا - فقال للبريدي : دعني ، إن كوثرا قد صاد سمكتين ، وأنا لم أصد شيئا . وندم في الباطن على خلع أخيه ، وطمع فيه أمراؤه ، وفرق عليهم أموالا لا تحصى حتى فرّغ الخزائن ، وما نفعوه ، وجهز جيشا آخر مقدمه عبد الرحمن الأبناوي أحد الفرسان المذكورين ، فالتقاه طاهر بن الحسين أيضا بهمذان ، وقتل عبد الرحمن في القتال ، وانهزم جيشه بعد أن قتل خلق كثير من الفريقين ، ودخل طاهر بن الحسين إلى همذان ، ثم زحف حتى نزل بحلوان . قال الشيخ اليافعي : ( هكذا ذكر قتل الأمير علي بن عيسى الخزاعي في هذه الوقعة ، قال : وذكرت في غير هذا الكتاب أن الوزير علي بن عيسى المذكور ركب في موكب ، فصار الغرباء يقولون : من هذا ، من هذا ؟ فقالت امرأة : إلى كم تقولون من هذا ، من هذا ؟ هذا عبد سقط من عين اللّه ، فابتلاه اللّه بما ترون ، فسمعها علي بن عيسى ،
--> ( 1 ) « تاريخ الطبري » ( 8 / 389 ) ، و « المنتظم » ( 6 / 29 ) .